ابو القاسم عبد الكريم القشيري

126

لطائف الإشارات

تكدّر ما صفا من النّعم ، وتغيّر ما أتيح من الإحسان والمنن حال معهودة وخطّة عامة ، فلا أحد إلا وله منها خطّة « 1 » فمن لم يرجع بالتأسّف قلبه ، ولم يتضاعف في كل نفس تلهفه وكربه ففي ديوان النسيان ، وأثبت اسمه في جملة أهل الهجران . ومن استمسك بعروة التضرع ، واعتكف بعقوة التذلل ، احتسى كاسات الحسرة عللا بعد نهل طاعته للحق بنعت الرحمة ، وجدّد له ما اندرس من أحوال القربة ، وأطلع عليه شمس الإقبال بعد الأفول والغيبة ، كما قيل تقشّع غيم الهجر عن قمر الحبّ * وأشرق نور الصبح في ظلمة الغيب وليس للأحوال الدنيوية خطر في التحقيق ، ولا يعدّ زوالها وتكدرها من جملة المحن عند أرباب التحصيل ، لكنّ المحنة الكبرى والرزية العظمى ذبول غصن الوصال ؛ وتكدر مشرب القرب ، وأفول شوارق الأنس ، ورمد بصائر أرباب الشهود . . . فعند ذلك تقوم قيامتهم ، وهناك تسكب العبرات . ويقال إذا نعق في ساحات هؤلاء غراب البين ارتفع إلى السماء نواح أسرارهم بالويل ، ومن جملة ما يبثون من نحييهم ما قلت . قولا لمن سلب الفؤاد فراقه * ولقد عهدنا أن يباح عتاقه بعد الفراق . . . فبالذي هو بينا * هلّا رحمتم من دنا إزهاقه ؟ عهدي بمن جحد الهوى أزمان ك * نّا بالصبابة - لا يضيق نطاقه . والآن مذ بخل الزمان بوصلنا * ضاق البسيطة . حين دام فراقه . هل ترتجى من وصل عزّك رجعة * تحنو على قمر يذوم محاقه ؟ إن كان ذاك كما تروم فأخبروا * أنّى له أن يعود شروقه « 2 » ؟ قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 10 ] وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ( 10 )

--> ( 1 ) ( الخطة ) بضم الخاء الأمر والحالة ، و ( والخطة ) بكسر الخاء ما يختطه الإنسان لنفسه من قدر معلوم من الأرض ونحوها . ( 2 ) الأبيات في هذا النص وصلتنا مضطربة الوزن سيئة الخط . مطموسة الكلمات في كثير من المواضع وقد تدخلنا فيها بقدر يسمح بإظهار المعنى وتناسق السياق .